ابن حزم

174

رسائل ابن حزم الأندلسي

إلا لأولى ، فلا سبيل إلى ذكر ثالث بعد ثان ضرورة ، وهو صلى الله عليه وسلم إنما ذكر طائفتين ، وبشر بفئتين ، وسمّى إحداهما الأولين ، فاقتضى ذلك بالقضاء الصدق آخرين ، والآخر من الأول هو الثاني الذي أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خير القرون بعد قرنه ، وأول القرون بكل فضل بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه خير من كل قرن بعده . ثم ركب البحر بعد ذلك أيام سليمان بن عبد الملك إلى القسطنطينية ، وكان الأمير بها في تلك السفن هبيرة الفزاري ، وأما صقلية فإنها فتحت صدر أيام الأغالبة سنة 212 ، أيام قاد إليها السفن غازياً أسد بن الفرات القاضي صاحب أبي يوسف رحمه الله تعالى ، وبها مات ، وأما إقريطش فإنها فُتحت بعد الثلاث والمائتين ( 1 ) ، افتتحها أبو حفص عمر بن شعيب ( 2 ) ، المعروف بابن الغليظ ( 3 ) ، من أهل قرية بطروج ( 4 ) ، من عمل فحص البلوط ، المجاور لقرطبة من بلاد الأندلس ، وكان من فلّ الربضيين ( 5 ) ، وتداولها بنوه بعده إلى أن كان آخرهم عبد العزيز بن شعيب الذي غنمها في أيامه أرمانوس بن قسطنطين ملك الروم سنة 350 ( 6 ) ، وكان أكثر المفتتحين لها أهل الأندلس . 4 - وأما في قسم الأقاليم فإن قرطبة ، مسقط رؤوسنا ومَعَقُّ تمائمنا ، مع سُرَّ من رأى في إقليم واحد ، فلنا من الفهم والذكاء ما اقتضاه إقليمنا ، وإن كانت الأنوار لا تأتينا إلا مغربة عن مطالعها على الجزء المعمور . وذلك عند المحسنين للأحكام التي تدل عليها الكواكب ناقص من قوى دلائلها ، فلها من ذلك ، على كل حال ، حظّ يفوق حظّ أكثر البلاد ، بارتفاع أحد النيرين بها تسعين درجة ، وذلك من أدلة التمكن في العلوم ، والنفاذ فيها عند من ذكرنا ، وقد صدق ذلك الخبر ، وأبانته التجربة ، فكان أهلها من التمكن في علوم القراءات والروايات ، وحفظ كثير من الفقه ، والبصر بالنحو والشعر واللغة والخبر والطب والحساب والنجوم ، بمكان رحب الفناء ، واسع

--> ( 1 ) الجذوة : بعد الثلاثين والمائتين ، وفي ياقوت ( إقريطش ) بعد 250 . ( 2 ) ترجمته في الجذوة : 282 وقد نقل الحميدي ما قاله ابن حزم . ( 3 ) الجذوة : المعروف بالغليظ . ( 4 ) ويقال : بطروش ، وهو حصن شامخ الحصانة من أعمال قرطبة ويحيط البلوط بجباله وسهوله ، وأهل بطروش يحفظونه ، ويستعينون به على الغذاء في أيام الشدة . ( 5 ) يريد أنه كان من أهل الربض الذين ثاروا على الحكم الملقب بالربضي ، ثم أخرجوا عن الأندلس فلجأوا أولاً إلى الإسكندرية ثم إلى إقريطش ، وأقاموا لهم دولة هنالك . ( 6 ) انظر ياقوت ( إقريطش ) حيث ذكر أن أرمانوس قتل ونهب وأخذ عبد العزيز وبني عمه وأموالهم إلى القسطنطينية .